عبد الملك الجويني

188

نهاية المطلب في دراية المذهب

بتحويل الرداء [ لتحويل الحال ] ( 1 ) ، وكان حصل بالقلب من اليمين إلى الشمال ذلك ، فعسر إتمام ما همّ به من التحويل ، فكان صلى الله عليه وسلم مبتدئاً أمراً تعذر عليه إتمامه ، والعمرة عن الحديبية لا تشتمل على العمرة عن الجِعْرانة . والأمر في ذلك قريب . وإلا كان لقائلٍ أن يقول : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرةَ الحديبية عن اختيارٍ ، وإنما صُدّ اضطراراً ، فتقديمُ ما أمر به على ما كان خاض فيه ، ولم ( 2 ) يتم له ، عن اضطرارٍ فيه ( 3 ) بعضُ النظر . ولكن توجيه ما ذكره الشافعي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإعمار عائشةَ من التنعيم ، وكان متمكناً من إعمارها من الحديبية ، فاقتضى ذلك تقديمَ ما أمر به . 2496 - وقد ذكر الفقهاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بعمرة الجِعْرانة عامَ القضاء ، ولم أر لهذا التاريخ ذكراً في كتب الحديث ( 4 ) ، وفيه إشكالٌ ؛ من جهة أن ذا

--> ( 1 ) في الأصل : . . الرداء التحويل وكان . . . . ( 2 ) ( ط ) لم ( بدون واو ) . ( 3 ) في محل خبر ( فتقديمُ ) . ( 4 ) هذا التعليق من إمام الحرمين على ما قاله الفقهاء ، وردّه لقولهم : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بعمرة الجعرانة عام الفضاء . وتغليطه الفقهاء في ذلك ، ورده عليهم بالمنقول والمعقول حيث قال : لم أر لهذا التاريخ ذكراً في كتب الحديث . كما علل ردَّه لكلام الفقهاء بأن هذا غير معقول ، فكيف يجاوز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذا الحليفة مع نية النسك ، ثم يصل إلى طريق الطائف مجاوزاً مكة ، ليحرم من الجعرانة ؟ هذا التعليق يوحي لنا بعدة أمور : أولاً - إن إمام الحرمين ليس كما أكثروا القول عنه بأنه كان قليل المراجعة لكتب الحديث وقليل العلم بالحديث ؛ فها هو يردّ كلام الفقهاء وينص صراحة على أنه راجع كتب الحديث فلم يجد ذكراً لهذا الكلام . ومعلوم أن الحكم بعدم الوجود لا يقال إلا عن تثبت واستقراء وسعة اطلاع ، فمن هو ( قليل المراجعة لكتب الحديث ) يستحيل أن يرد كلام الأئمة مستنداً إلى عدم الوجود فيها ، فذاك يحتاج كما ألمعنا آنفاً إلى إحاطة شاملة واستقراء كامل . ثانياً - إن الحافظ ابن حجر - رحمه الله - ردّ كلام الفقهاء هذا في تلخيصه الحبير بنفس ألفاظ =